بعد جائحة كورونا.. تضاعف وصف أدوية اضطراب فرط الحركة بين البالغين



كشفت دراسة علمية حديثة، نشرتها مجلة الجمعية الطبية الكندية؛ عن زيادة لافتة في وصف الأدوية المستخدمة لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين منذ بداية جائحة كورونا.

ووفقاً للبحث، فإن عدد الوصفات الطبية الجديدة لهذه الأدوية تضاعف أكثر من مرتين خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل أعلى معدلات الزيادة بين الشباب، وخاصة في الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً.

ولطالما ارتبط علاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه تاريخياً بالأطفال والمراهقين، إذ كان ينظر إليه لفترة طويلة على أنه اضطراب يظهر في مرحلة الطفولة فقط. 

غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً تدريجياً في الفهم العلمي للاضطراب، إذ أصبح يعترف بشكل متزايد بأن العديد من الحالات تستمر إلى مرحلة البلوغ أو يتم تشخيصها لأول مرة لدى البالغين، وقد تسارع هذا التحول بشكل ملحوظ بعد جائحة كورونا، ما دفع الباحثون إلى دراسة هذه الظاهرة بشكل أعمق.

وتهدف الدراسة إلى فهم مدى انتشار وصف الأدوية المنشطة لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بين البالغين في مقاطعة أونتاريو، إضافة إلى تحليل الخصائص الديموغرافية للأشخاص الذين يتلقون هذه العلاجات.

اعتمدت الدراسة على بيانات تمتد من يناير 2016 إلى يونيو 2024، وشملت أكثر من 327 ألف بالغ حصلوا على وصفة طبية جديدة واحدة على الأقل من الأدوية المنشطة خلال هذه الفترة. 

وأظهرت النتائج أن 55% من هؤلاء المرضى كانوا من النساء، بينما بلغ متوسط العمر نحو 31 عاماً، كما أن الغالبية العظمى منهم، حوالي 91%، كانوا يعيشون في مناطق حضرية.


تحسن التشخيص

تشير البيانات إلى أن بداية الجائحة شهدت انخفاضاً مؤقتاً في عدد الأشخاص الذين حصلوا على وصفات جديدة، وهو ما يعزى إلى اضطراب خدمات الرعاية الصحية خلال الأشهر الأولى من تفشي فيروس كورونا المستجد، وهذا التراجع سرعان ما أعقبه ارتفاع سريع وحاد في معدلات الوصفات الطبية، حتى تجاوزت الأرقام مستويات ما قبل الجائحة بفارق كبير.

وكانت الزيادة الأكثر وضوحاً بين الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً، وهي الفئة التي سجلت أعلى معدلات وصف الأدوية المنشطة.

كما كشفت الدراسة عن تغير مهم في الفروق بين الجنسين. فقبل الجائحة كانت معدلات وصف هذه الأدوية متقاربة بين الرجال والنساء، لكن خلال فترة الجائحة أصبحت معدلات الوصفات أعلى لدى النساء في جميع الفئات العمرية.

يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعكس تحسناً في التعرف على اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين، وهو اضطراب كان يعاني تاريخياً من نقص التشخيص، خصوصاً لدى النساء. فقد أظهرت الدراسات السابقة أن أعراض الاضطراب لدى النساء قد تكون أقل وضوحاً أو مختلفة عن الصورة النمطية المعروفة، ما أدى إلى تأخر تشخيص العديد منهن حتى مرحلة البلوغ.

غير أن الباحثين يشيرون أيضاً إلى أن سرعة هذا الارتفاع وحجمه الكبير يثيران تساؤلات مهمة بشأن آليات التشخيص وجودة التقييمات الطبية، وبحسب المؤلف المشارك في الدراسة، مينا تادروس، الأستاذ في كلية الصيدلة بجامعة تورونتو، فإن عدة عوامل قد ساهمت في هذه الزيادة، منها تزايد الوعي العام باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين، وتحسن الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية بعد سنوات من نقص التشخيص.


مساهمة وسائل التواصل

إلى جانب ذلك، قد يكون لوسائل التواصل الاجتماعي دور في هذه الظاهرة، إذ أصبح العديد من المؤثرين الرقميين يتحدثون عن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وأعراضه، ما قد يدفع بعض الشباب إلى البحث عن تشخيص طبي، كما ساهم الانتشار السريع لخدمات الطب الافتراضي بعد الجائحة في تسهيل الحصول على تقييمات وعلاجات عبر الإنترنت، وهو ما قد يؤدي أحياناً إلى تشخيصات أسرع وربما أقل دقة.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن الصحة النفسية العامة خلال فترة الجائحة قد تكون عاملاً إضافياً في هذا الاتجاه. فقد أدى العزل الاجتماعي والضغوط الاقتصادية وزيادة الوقت أمام الشاشات إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، وهي حالات قد تتداخل أعراضها أحياناً مع أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

وأظهرت البيانات أن 25% من الأشخاص الذين حصلوا على وصفات جديدة للأدوية المنشطة كانوا يعانون أيضاً من القلق أو الاكتئاب، وقد يؤدي استخدام هذه الأدوية في بعض الحالات إلى تخفيف أعراض مرتبطة بهذه الاضطرابات، ما قد يساهم في زيادة وصفها.

كما رصد الباحثون تحولاً في الجهات الطبية التي تصدر الوصفات. فقبل الجائحة كان الأطباء النفسيون مسؤولين عن نحو 26% الوصفات الطبية، لكن هذه النسبة انخفضت إلى 18% الجائحة. وفي المقابل، ارتفعت نسبة الوصفات الصادرة عن الممرضين والممارسين التمريضيين من 2% إلى نحو 10%، وهو ما يعكس تغيرات في أنماط تقديم الرعاية الصحية.

ويحذر الباحثون من أن تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين يتطلب تقييماً سريرياً شاملاً ودقيقاً؛ يشمل التاريخ الطبي والنفسي للمريض، إضافة إلى تقييم الأعراض في سياقات مختلفة من الحياة اليومية. ولذلك، فإن الاعتماد المتزايد على تقييمات سريعة أو غير متخصصة قد يثير مخاوف بشأن دقة التشخيص.

ويدعو الباحثون إلى مراقبة مستمرة لاتجاهات استخدام الأدوية المنشطة، وفهم العوامل التي تقف وراء هذا الارتفاع السريع. ويؤكدون أهمية تحقيق توازن دقيق بين ضمان وصول المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج بشكل فعلي إلى الرعاية المناسبة، وبين حماية المرضى من المخاطر المحتملة الناتجة عن التشخيص غير الدقيق أو الاستخدام غير الملائم للأدوية.

وتعكس هذه الظاهرة تحولاً مهماً في فهم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في العصر الحديث، حيث تتداخل العوامل الطبية والاجتماعية والتكنولوجية لتشكل واقعاً جديداً في تشخيص الاضطرابات النفسية وعلاجها. لكن هذا التحول يفرض في الوقت نفسه تحديات علمية وتنظيمية، تتطلب دراسة متواصلة لضمان تقديم رعاية صحية دقيقة وآمنة للمرضى.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology