الغذاء ونمط الحياة في دائرة الاتهام
لم يعد سرطان القولون والمستقيم مرضًا مرتبطًا بكبار السن فقط. فخلال السنوات الأخيرة، سجّلت الإحصاءات ارتفاعًا ملحوظًا في الإصابات بين أشخاص في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من العمر، وهو ما أثار قلق الأوساط الطبية ودفع الباحثين إلى محاولة فهم الأسباب الكامنة وراء هذا التحول.
ورغم أن الصورة الكاملة لم تتضح بعد، يشير خبراء الأورام والجهاز الهضمي إلى أن نمط الحياة الحديث يلعب دورًا مهمًا في هذا الاتجاه التصاعدي. فالنظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة المعالجة، والإفراط في تناول اللحوم الحمراء والمصنّعة، وقلة الألياف، إلى جانب استهلاك الكحول والتدخين وقلة النشاط البدني، كلها عوامل ارتبطت بزيادة خطر الإصابة.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الروابط لا تعني بالضرورة علاقة سببية مباشرة، بل تشير إلى أن المسألة معقدة ومتعددة العوامل، بحسب تقرير في موقع "ScienceAlert" العلمي.
وأحد المجالات التي تحظى باهتمام متزايد هو الميكروبيوم المعوي، أي مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش في الأمعاء. فعندما يختل توازن هذه المنظومة -وهي حالة تُعرف ب"الديسبيوزيس"- قد ينشأ التهاب مزمن واضطرابات في بيئة الأمعاء، ما قد يمهّد الطريق لتغيرات سرطانية مع مرور الوقت.
وإلى جانب الاستعداد الوراثي، تلعب العادات اليومية دورًا حاسمًا في زيادة معدلات خطر الإصابة. فالنظام الغذائي منخفض الألياف وعالي الدهون المشبعة واللحوم المصنعة قد يرفع احتمالية الإصابة. كما أن السمنة، والخمول البدني، والتدخين، وحتى تناول كميات قليلة من الكحول بانتظام، ارتبطت جميعها بزيادة خطر سرطان القولون.
ويشير أطباء إلى أن الوقاية لا تتطلب تغييرات جذرية بقدر ما تحتاج إلى التزام مستمر بعادات صحية، مثل الإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، وتقليل اللحوم المصنعة، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.
أعراض لا يجب تجاهلها
تتشابه الأعراض المبكرة لدى الشباب وكبار السن، وتشمل وجود دم في البراز، وآلامًا مستمرة في البطن، وتغيرًا في عادات الإخراج مثل الإسهال أو الإمساك المزمن. كما قد يظهر فقر دم غير مبرر نتيجة نزيف داخلي بطيء. ورغم أن هذه الأعراض قد تكون ناجمة عن أسباب أقل خطورة، إلا أن تجاهلها قد يؤدي إلى تأخر التشخيص.
وتوصي الإرشادات الطبية الحديثة ببدء الفحص الروتيني للأشخاص ذوي الخطر المتوسط عند سن 45 عامًا، مع الاستمرار حتى سن 75. وتتضمن خيارات الفحص اختبارات البراز للكشف عن الدم الخفي، أو تنظير القولون، الذي يتيح للطبيب رؤية بطانة القولون مباشرة وإزالة الزوائد اللحمية قبل أن تتحول إلى سرطان.
أما الأشخاص ذوو الخطورة العالية -مثل من لديهم تاريخ عائلي للإصابة أو أمراض التهابية مزمنة في الأمعاء- فقد يحتاجون إلى بدء الفحص في سن أبكر وبوتيرة أكثر تكرارًا.
وترتبط فرص البقاء على قيد الحياة بدرجة كبيرة بمرحلة اكتشاف المرض. فعند تشخيصه في مراحله المبكرة، قد تصل معدلات البقاء لخمس سنوات إلى 80–90%. لكن إذا اكتُشف بعد انتشاره إلى أعضاء أخرى، فقد تنخفض النسبة إلى ما بين 10–15%، ما يبرز أهمية الوعي والفحص المبكر.
وفي النهاية، يشدد الخبراء على أن الارتفاع في الإصابات بين الشباب لا يعني حتمية الإصابة، بل هو دعوة إلى الانتباه. فالتغييرات البسيطة في نمط الحياة، والانتباه إلى الأعراض، وإجراء الفحوص في الوقت المناسب، قد تصنع فرقًا حاسمًا في الوقاية والكشف المبكر؛ وربما إنقاذ الحياة.
