هل ينقذ الذكاء الاصطناعي المرضى في الأنظمة محدودة الموارد



وسط جدلية واسعة.. نماذج ذكية تُحسن التشخيص في دول تفتقر للإمكانات

في المستشفيات التي تعاني من نقص المعدات الطبية المتقدمة وقلة الكوادر المتخصصة، يواجه الأطباء والمرضى معًا معضلة قاسية عن كيفية اتخاذ قرارات دقيقة في ظل شحّ البيانات وضعف الموارد.

وتشير دراسة جديدة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون جزءًا من الحل، بل أداة قادرة على إنقاذ الأرواح وتحسين فرص التعافي، حتى في أكثر البيئات الصحية محدودية.

وكشف باحثون من كلية Duke-NUS للطب في سنغافورة عن نجاحهم في تكييف نموذج ذكاء اصطناعي متقدم للتنبؤ بفرص التعافي العصبي لدى مرضى توقف القلب، في مستشفيات تفتقر إلى قواعد بيانات ضخمة أو تقنيات تشخيص عالية الكلفة.

واعتمدت الدراسة، المنشورة في مجلة npj Digital Medicine، على تقنية تُعرف باسم التعلم بالنقل (Transfer Learning). وتقوم الفكرة الأساسية على استخدام نموذج ذكي جرى تدريبه مسبقًا على بيانات ضخمة في دولة متقدمة، ثم تكييفه ليعمل بكفاءة في دولة أخرى تمتلك بيانات أقل بكثير. وفي هذه الحالة، استُخدم نموذج ياباني دُرّب على بيانات أكثر من 46 ألف مريض تعرضوا لتوقف القلب خارج المستشفى، ثم جرى تكييفه ليُستخدم في فيتنام، اعتمادًا على بيانات 243 مريضًا فقط.

والنتيجة كانت لافتة، حيث استطاع النموذج المعدّل التمييز بين المرضى ذوي الخطورة العالية والمنخفضة بدقة بلغت نحو 80%، مقارنة ب46% فقط عند استخدام النموذج الأصلي دون تكييف. وهذا التحسن الكبير يفتح الباب أمام استخدام تقنيات متقدمة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تحمل أهمية خاصة للدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث تظل تقنيات الذكاء الاصطناعي غالبًا حكرًا على أنظمة صحية غنية. ويشير البروفيسور ليو نان، المشرف على الدراسة، إلى أن إعادة بناء النماذج من الصفر ليس ضروريًا دائمًا، وأن التكييف الذكي يمكن أن يقلل التكاليف ويُسرّع الاستفادة السريرية.

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بالنتائج فقط. ففي دراسة موازية نُشرت في مجلة Nature Health، ناقش باحثو Duke-NUS كيف يمكن لنماذج اللغة الكبيرة (LLMs) أن تُحسن الرعاية الصحية في البيئات محدودة الموارد، من خلال روبوتات محادثة تقدم إرشادات صحية للحوامل، أو تطبيقات هاتفية تساعد العاملين الصحيين على تشخيص الملاريا بدقة أعلى.



تحديات أخلاقية وتنظيمية

ورغم هذا التفاؤل، يحذّر الباحثون من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب لا يخلو من مخاطر. فالقوانين الحالية غالبًا لا تغطي التحديات الخاصة بهذه التقنيات، مثل حماية الخصوصية أو أخطاء النماذج الذكية. ولهذا، اقترح فريق Duke-NUS إنشاء تحالف دولي لوضع أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي الطبي.

وتُظهر هذه الدراسات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية تكنولوجية، بل أداة عملية قادرة على سد فجوات خطيرة في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم. ومع وضع ضوابط واضحة وتدريب مناسب للكوادر الطبية، قد يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في تحسين فرص النجاة وجودة العلاج، حتى في أكثر الأماكن فقرًا بالإمكانات.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology