خطوة غير مسبوقة تكشف أسرار تنظيم الجينات
نجح تحالف علمي دولي في تقديم أدق نموذج حتى الآن للبنية ثلاثية الأبعاد للجينوم البشري عبر الزمن (البعد الرابع) داخل الخلايا، في خطوة توصف بأنها محطة مفصلية في فهم العلاقة بين شكل المادة الوراثية ووظيفتها. الدراسة، التي قادها اتحاد النواة رباعية الأبعاد (4DN) بإشراف البروفيسور جوب ديكر من كلية الطب بجامعة ماساتشوستس تشان، نُشرت في مجلة Nature.
ووفقًا للباحثين، مكّنت هذه الجهود من رسم صورة متكاملة لكيفية طي الحمض النووي داخل نواة الخلية البشرية، ليس فقط في الفضاء ثلاثي الأبعاد، بل أيضًا عبر الزمن، وهو ما يُعرف علميًا بـ"الجينوم رباعي الأبعاد".
وكشفت الدراسة عن أكثر من 140 ألف حلقة تفاعل بين الجينات والعناصر التنظيمية البعيدة المدى، وهي تفاعلات لم يكن بالإمكان رصدها باستخدام تقنية واحدة فقط. وتُعد هذه النتائج أساسًا لفهم كيفية تنظيم التعبير الجيني، ونسخ الحمض النووي، وتغير هذه العمليات بين الخلايا وفي الحالات المختلفة مثل الانقسام الخلوي أو التعرض للإجهاد.
ويشرح ديكر أن الجينوم، رغم كونه سلسلة خطية من الشيفرات الوراثية، يعمل فعليًا كبنية مطوية ومعقدة تشبه "المعكرونة المطبوخة في وعاء"، حيث تسمح الانثناءات والحلقات بتقارب مناطق بعيدة جينيًا لتتفاعل وظيفيًا داخل الخلية.
واعتمد المشروع على دمج بيانات من أكثر من ثلاثة عشر أسلوبًا تجريبيًا وحاسوبيًا، إلى جانب أدوات تحليل ونمذجة حاسوبية متقدمة. وشارك في هذا العمل أكثر من 36 مختبرًا في ثماني دول، ما جعله أحد أوسع المشاريع التعاونية في علم الجينوم الحديث.
ويقول ديكر إن هذا العمل يمثل ما يمكن اعتباره "المرحلة الثالثة من مشروع الجينوم البشري"، بعد تحديد تسلسل الحمض النووي، ثم حصر الجينات والعناصر التنظيمية، ليأتي الآن دور فهم التنظيم المكاني للجينوم داخل الخلية.
دليل علمي للمستقبل
ومن أبرز مخرجات الدراسة إعداد دليل إرشادي علمي يوضح نقاط القوة لكل تقنية مستخدمة، ومتى يُفضل الاعتماد عليها للإجابة عن أسئلة بحثية محددة، ما يمهّد الطريق لدراسات أكثر دقة حول كيفية ارتباط التغيرات البنيوية في الجينوم بالأمراض، وعلى رأسها السرطان والاضطرابات الوراثية.
كما أظهر الباحثون إمكانية استخدام هذه البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، بهدف التنبؤ بأنماط طي الجينوم، وفهم تأثير تسلسل الحمض النووي على بنيته ووظيفته.
آفاق بحثية واسعة
ويؤكد الفريق أن المرحلة المقبلة من مشروع 4DN ستركّز على دمج هذه الخرائط الجينومية مع تقنيات تصوير متقدمة، لدراسة التغيرات النووية أثناء التطور الجنيني وفي حالات المرض. ويختتم ديكر بالقول إن هذه الخريطة تمثل "أكثر رؤية تفصيلًا للجينوم الحي كما يوجد داخل الخلايا"، وتشكل قاعدة أساسية لفهم أعمق للعلاقة بين بنية الجينوم ووظيفته.
